فيلم "آلام المسيح"

بقلم / جابر عصفور

المصدر جريدة نهضة مصر الاربعاء 5 مايو

  http://www.gn4me.com/nahda/artDetails.jsp?edition_id=133&artID=427951

 

  سمعنا جميعا عن الضجة الهائلة التي أثارها فيلم ميل جيبسون "آلام المسيح" منذ أن بدأ عرضه في الولايات المتحدة وأوروبا، ولفت انتباه الكثيرين من المثقفين العرب بالطبع إن الهجوم علي الفيلم جاء من العناصر الصهيونية واليهودية المتطرفة، وذلك بحجة أن الفيلم يعادي السامية، وأنه يضع جريمة قتل المسيح في رقبة اليهود الذين حرَّضوا علي قتله، وفي رقبة أبنائهم علي السواء، وذلك علي أساس من الجملة التي لم ترد إلا في "إنجيل متي" وهي: "دمه في رقابنا ورقاب أبنائنا".

 

  وتواصلت الحملات الصهيونية واليهودية علي الفيلم وصانعه ميل جيبسون الذي تأثر - فيما يبدو - بمعتقدات والده رجل الدين المسيحي الذي آمن بما قرأه في الأناجيل كلها من أن اليهود يحملون وزر دم المسيح، وأن الحاكم الروماني بيلاطس حاول إنقاذه من براثنهم بإطلاق سراحه، حسب ما اعتاد من إطلاق سراح مجرم يختاره الشعب، ولكنهم رفضوا وعاندوا، وأصروا علي صلب المسيح الذي خالف أفكارهم وخرج علي عقائدهم المتحجرة. ولما شعر بيلاطس بعجزه عن إقناعهم، غسل يديه أمام الجميع، في نوع من التعبير الرمزي عن براءته من جريمة الصلب التي توشك أن تحدث، وواجه الجمع المحتشد في ساحة مقرّه، وتوجـه بالخطاب إلي زعماء اليهود قائلا: دمه في رقبتكم ورقبة أبنائكم من بعدكم، فكرر الحشد المزمجر: دمه في رقابنا ورقاب أبنائنا. وبدأت الجريمة في الحدوث علي نحو ما رواها فيلم ميل جيبسون الذي التزم التزاما حرفيا بما ورد في الأناجيل، وبخاصة "إنجيل متي" التي وردت فيه الجملة الحاسمة : دمه في رقابنا ورقاب أبنائنا. ولكي يضفي ميل جيبسون علي فيلمه صفة التاريخ، ومن ثم تأكيد الإيهام بالواقعية، فإنه أنطق الممثلين باللغات الأصلية لزمن المسيح : الآرامية واليونانية واللاتينية. باختصار، اللغات التي كان يتحدث بها الأبطال الرئيسيون الذين صنعوا مأساة المسيح، وقادوه علي طريق الآلام إلي الصليب الذي صلب عليه، الصليب الذي صعدت منه روحه، عائدة إلي الأب الذي احتضنه، أو الصليب الذي غادره جسد المسيح، لأن القتلة لم يقتلوه ولم يصلبوه ولكن شُـبِّه لهم، حسب المنظور الإسلامي.

 

  وبالطبع، لم يكن ميل جيبسون يخرج فيلمه حسب المنظور الإسلامي، وإنما حسب المنظور المسيحي الذي آمن به، والذي انتقل إليه من والده رجل الدين المسيحي الذي لا يزال يؤمن - مع أقران له - أن اليهود هم الذين صلبوا المسيح، وأن دمه في رقبتهم ورقبة أبنائهم من بعدهم. ولكي يبرز ميل جيبسون الهول الأعظم للجريمة التي ارتكبها اليهود، تأكيدا لإدانتهم بالجرم الأكبر، فإنه جعل الفيلم يدور حول أحداث الاثنتي عشرة ساعة الأخيرة من حياة المسيح، ولا يجاوزها إلي الخلف في نوع من الاسترجاع الذي يعمِّق معني الحدث للصلب. أقصد إلي التعميق الذي جعل ميل جيبسون يتنكر للتسامي الرمزي الذي حرصت عليه أغلب الأفلام التي قدمت مشهد صلب المسيح، ولجأ إلي الأسلوب الخشن الذي يعدد تفاصيل تعذيب المسيح، وذلك علي نحو أزعج كل الذين شاهدوا الفيلم، وأذاقهم من الآلام التي قصد إليها المخرج قصدا كي يبرز بشاعة جريمة اليهود من ناحية، وكي يدفع المشاهدين إلي إدانة هذه البشاعة، والحكم الصارم علي مرتكبيها بلا تردد من ناحية ثانية، ومعاناة بعض الألم الذي يكفرون به عن الإنسانية مشاركة للمسيح في آلامه التي افتدي بها البشر من ناحية أخيرة.

 

  ونعرف من الأخبار التي تواترت أن اللوبي الصهيوني المتغلغل في كل مكان في الولايات المتحدة كان السبب وراء إحجام شركات الإنتاج في هوليود عن إنتاج فيلم ميل جيبسون، فاضطر الممثل الكبير المقتنع برسالة فيلمه إلي إنتاجه علي نفقته الخاصة. وإخراجه إلي النور دون استجابة إلي الضغوط الصهيونية، ولم يتنازل سوي عن شئ واحد، وهو أنه لم يترجم إلي اللغة الإنجليزية الجملة الآرامية التي تقول: دمه في رقابنا ورقاب أبنائنا. لكن اللغة الآرامية التي قيلت بها هذه الجملة واضحة علي الأقل للمشاهد العربي، وذلك للقرب القائم بين اللغة الآرامية واللغة العربية بحكم أن كلتيهما من عائلة واحدة، هي عائلة اللغات السامية. وعرضت دور السينما فيلم ميل جيبسون الذي حقق - ولا يزال يحقق - إيرادات خيالية، وجاوز في أرباحه أفلاما سابقة، ويبدو أنه سيكون أكثر الأفلام مشاهدة وتحقيقا للربح في تاريخ السينما العالمية.

 

  وبعد النجاح الساحق للفيلم في الولايات المتحدة وأوروبا، وهو النجاح الذي أفاد منه من يعبدون المال أكثر من عبادتهم لأي إله، وصل الفيلم إلي العالم العربي، وشاهده رئيس الجمهورية اللبنانية - إميل لحود - في عرض خاص وأعجب به، ووصلت الرقابة علي المصنفات الفنية في القاهرة نسخة من الفيلم. وشاهد الرقباء هذه النسخة. وكانت تقاريرهم سلبية للأسف في أغلبها. ولم يكن صديقي وزميلي الدكتور مدكور ثابت في القاهرة ليحسم الأمر في التصريح أو عدم التصريح بعرض هذا الفيلم في مصر، وطال به السفر لأسباب خارجة عن إرادته فيما أخبرني. ولذلك وقعت علي مسئولية مشاهدة الفيلم وحسم الأمر في مسألة عرضه، وذلك بحكم تبعية إدارة الرقابة علي المصنفات الفنية للأمانة العامة للمجلس الأعلي للثقافة.

 

  وذهبت إلي مشاهدة الفيلم في عرض خاص بالرقابة. وحرصت علي اصطحاب عدد قليل من أصدقائي من نقاد السينما والمشتغلين بها، كي أستنير بآرائهم وانطباعاتهم. وجلست أشاهد الفيلم الذي نقلني عبر التاريخ ووضعني في قلب مشهد الجريمة الكبري بكل تفاصيلها. وأعترف أنني تأذّيت نفسيا إلي أبعد حد بواسطة مشاهد التعذيب وتفاصيلها الفظيعة التي تستثير حتي الجماد. وانتهت تجربة مشاهدة الفيلم المؤلمة بالفعل، لكنها التجربة التي أتاحت لمتفرج مثلي مشاهدة واحد من الأفلام المؤثرة إلي أبعد حد، والتي لا تخلو من دلالات عديدة، سواء علي المستوي الديني أو المستوي الروحي الصوفي أو علي المستوي الرمزي العام الذي يجاوز المستويات الدينية والروحية.

 

  وبعد أن انتهيت من مشاهدة الفيلم الذي تحمست لعرضه علي الفور لقيمته وأهميته، مع رغبة في التخفيف من بعض مشاهد التعذيب، جلست مع الأصدقاء: سمير فريد وكمال رمزي وقصي درويش وغيرهم، نتناقش حول الفيلم، وأفدنا جميعا من دقة معلومات كمال رمزي ومعرفته بالأناجيل (التي راجعتها فيما بعد للتأكد) وتبادلنا الآراء التي جعلتني أكثر اقتناعا بأهمية عرض الفيلم وإتاحته للمشاهدين في مصر، كي يروه مثلما تراه الدنيا بأسرها، لا فارق في ذلك بين مسلم ومسيحي، فصلب المسيح مأساة دينية بالمعني الذي يهمّ المسلم والمسيحي، ومأساة بشرية تستفزّ الناس جميعا علي اختلاف دياناتهم، بل تستفز غير المتدينين من الذين لا يؤمنون بأي دين علي الإطلاق. والفيلم ليس إدانة دينية فحسب، وإنما هو إدانة عامة للعنف الذي تمارسه طائفة مستبدة ضد أية فكرة جديدة، أو ضد أي داعية واعد بعالم جديد. ومن هذه الزاوية الأخيرة، فالفيلم صرخة عالية ضد جرائم التطرف والتعصب والجحود والتحجر التي تعاني منها كل الأديان، وكل الحضارات، في كل العصور، ومنها العصر الذي نعيش فيه.

 

  وكان لابد أن يدور نقاش طويل حول تفاصيل التعذيب التي رأيتها أقسي مما يجب، وكنت أري ضرورة تخفيفها بحذف بعض مشاهدها، ولكن حجج كمال رمزي الهادئة وتبريرات قصي درويش الحماسية وتوضيحات سمير فريد الواعية جعلتني أقتنع بعدم حذف أية لقطة من الفيلم، والسماح بعرضه علي ما هو عليه، علي أن تكون مشاهدته للكبار فقط فوق الثامنة عشرة. وطلبت تقارير الرقباء وتقريرهم النهائي حول الفيلم، فوجدت الموقف النهائي هو رفض الفيلم بحجج واهية جدا. أولاها أن الفيلم يخرج عن التصور الإسلامي. وهي حجة لا محل لها من الإعراب لأن الفيلم تجسيد لرؤية مسيحية، والمسيحية ديانة يعترف بها الإسلام، ومن حق المسيحيين أن يصوغوا رؤاهم الدينية حسب أناجيلهم. ومن حق المسلمين أن يشاهدوا هذه الرؤي إبداعا، ما دامت قد دخلت في الإطار الإنساني الذي يهم المسلمين والمسيحيين جميعا. أما الحجة الثانية فكانت تنادي بالاقتصار في عرض الفيلم علي الكنائس المسيحية فقط وعدم السماح للجمهور العام بمشاهدته. وهي حجة لا تقل سلبا عن سابقتها، فلماذا نحرم المسلمين من مشاهدة هذا الفيلم الذي يجاوز الدائرة الدينية إلي الدائرة الإنسانية؟ ولماذا نفرض الوصاية علي المشاهدين؟ وبأي حق؟ أما الحجة الثالثة فكانت قرينة الخوف من تأثير العنف الذي يحتشد به الفيلم. ولا معني لهذه الحجة مع كثرة ما نشاهده من أفلام الرعب التي أصبحت سمة العصر، وتصاعد حجم العنف الذي يراه المشاهد في المسلسلات التليفزيونية وفي الأفلام.

 

 

  وكانت نتيجة تفنيدي لكل هذه الحجج الإصرار علي عرض الفيلم. وهو الأمر الذي دعمني فيه وزير الثقافة بانفتاحه العقلي ورؤيته الفنية الأصيلة، فرفضت توصيات التقارير الرقابية بمنع الفيلم، وقررت عرضه علي شاشات السينما المصرية، فالمشاهد المصري في النهاية أنضج من أن نحجر عليه بوصاية اجتماعية أو بتحجر ديني. ولا فارق في ذلك بين مسلم ومسيحي، فدينهم يعنينا لأنهم شركاء لنا في الوطن الذي يجمعنا، وديننا يعنيهم لأنه يحضّنا علي البر بهم والإخاء لهم، ويجمعنا كما يجمعهم شعار: الدين لله والوطن للجميع. ومن هذا المنظور، فإن عرض فيلم "آلام المسيح" هو إتاحة تجربة فنية عالية لجميع أبناء وبنات الوطن كي يشاهدوا ما يشاهده العالم كله، وكي يخرجوا من المشاهدة بالمعاني التي خرجت بها، بل المزيد من المعاني التي لم أنتبه إليها عندما شاهدت الفيلم للمرة الأولي.

 

  وقد شاهد الجمهور المصري الفيلم في دور السينما التي عرضته، وتدفَّقت المئات بل الآلاف علي مشاهدته، وأثار الفيلم من التداعيات ما وصل بين يهود الزمن القديم الذين قتلوا المسيح ويهود الزمن الحاضر الذين قتلوا أحمد ياسين والرنتيسي، والذين لا يزالون ماضين في قتل الشعب الفلسطيني الذي أنزلوه منزلة المسيح، ولم يتوقفوا عن التنكيل به. وكانت سعادتي غامرة عندما رأيت أدمع المسلمين والمسيحيين تنهمر بسبب مشاهد التعذيب في الفيلم، وهي مشاهد تعود بنا إلي زمننا، وتدفعنا إلي المزيد من نبذ العنف، وإدانة قامعي الأفكار الجديدة، وقتلة المسيح قديما وحديثا، هنا والآن.